تناول فالبونا زينيلي وجيوفاني رينولدي التحول المتسارع في سياسات الطاقة العالمية، مؤكدين أن الطاقة النووية استعادت مكانتها بوصفها أحد أهم مصادر أمن الطاقة والنمو الصناعي، بعد سنوات من التراجع الذي أعقب الحوادث النووية الكبرى.

 

ويرى الكاتبان أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل يتصل أيضًا بطريقة إدراك المجتمعات للمخاطر، إذ ما زالت كوارث الماضي تؤثر في قرارات سياسية تتجاهل التطورات الكبيرة التي شهدتها الصناعة النووية خلال العقود الأخيرة.


وأوضح موقع ذا ناشيونال إنترست أن أكثر من 440 مفاعلًا نوويًا يعمل حاليًا في أكثر من 30 دولة، ويوفر نحو 9% من الكهرباء عالميًا. وتواصل دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وكوريا الجنوبية واليابان الاستثمار في بناء مفاعلات جديدة، بينما انضمت دول نامية، من بينها مصر وبنجلاديش وأوزبكستان، إلى هذا المسار.

 

وتقود الصين التوسع العالمي بعدما شرعت في إنشاء 37 مفاعلًا جديدًا، وهو عدد يفوق ما تبنيه بقية دول العالم مجتمعة، في وقت بدأت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقديم المشورة لدول تسعى إلى دخول المجال النووي لأول مرة.


الطاقة النووية تعود مدفوعة بأمن الطاقة والتنافس الصناعي


يرى الكاتبان أن انتشار الطاقة النووية عالميًا يتخذ منحنى يشبه حرف "U"، إذ تحافظ الاقتصادات المتقدمة على برامجها النووية أو تعود إليها مجددًا، بينما تتجه الاقتصادات النامية إلى تبنيها لتأمين احتياجاتها من الكهرباء وتعزيز التنمية الصناعية، في حين اختارت مجموعة محدودة من الدول الأوروبية التخلي عن هذا المصدر أو تقليصه.


وتبرز فرنسا بوصفها النموذج الأوضح، بعدما ربطت منذ سبعينيات القرن الماضي بين الطاقة النووية والاستقلال الاستراتيجي، بينما أعادت الولايات المتحدة وبريطانيا صياغة سياساتهما اعتمادًا على المفاعلات النووية الصغيرة وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء الناتج عن توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما أعادت اليابان تشغيل عدد من مفاعلاتها بعد كارثة فوكوشيما، وأصبحت كوريا الجنوبية من أبرز مصدري التكنولوجيا النووية السلمية.


وفي المقابل، تبنت دول مثل مصر والإمارات وتركيا وبنجلاديش برامج نووية باعتبارها استثمارًا في البنية التحتية وليس خيارًا أيديولوجيًا، وهو اتجاه تعزز بعد قرار البنك الدولي في عام 2025 إنهاء الحظر الذي استمر لعقود على تمويل مشروعات الطاقة النووية.


حوادث الماضي ما زالت تؤثر في قرارات الحاضر


يرى التقرير أن السياسات النووية الحديثة تخضع بدرجة كبيرة لتأثير الانحيازات النفسية، إذ تميل المجتمعات إلى تضخيم أثر الحوادث النادرة وتحويلها إلى معيار دائم لتقييم التكنولوجيا، رغم اختلاف الظروف الفنية والتنظيمية التي أحاطت بكل حادثة.


ويشير الكاتبان إلى أن حادثة «ثري مايل آيلاند» في الولايات المتحدة عام 1979، وكارثة تشيرنوبل عام 1986، ثم كارثة فوكوشيما عام 2011، شكلت معًا صورة ذهنية واحدة لدى الرأي العام، رغم أن كل حادثة وقعت في سياق تقني وتنظيمي مختلف تمامًا.


وأدت هذه الصورة إلى اتخاذ قرارات سياسية بعيدة المدى، إذ أغلقت إيطاليا جميع مفاعلاتها بعد استفتاء أعقب كارثة تشيرنوبل، ثم رفض الناخبون عام 2011 العودة إلى الطاقة النووية بعد أشهر قليلة من حادثة فوكوشيما. كما سارعت ألمانيا إلى تسريع خطتها للتخلي عن الطاقة النووية حتى أغلقت آخر مفاعل لديها عام 2023.


ويؤكد التقرير أن المفاعلات الحديثة تختلف جذريًا عن تلك التي شهدت الحوادث السابقة، إذ تعتمد على أنظمة أمان متطورة وتقنيات سلبية تمنع تكرار السيناريوهات القديمة، بينما تمثل المفاعلات النووية الصغيرة جيلًا جديدًا كليًا من التكنولوجيا النووية.


التنافس الاقتصادي يعيد رسم مستقبل الطاقة النووية


يرى الكاتبان أن مستقبل التنافس الاقتصادي العالمي سيرتبط بصورة متزايدة بقدرة الدول على توفير كهرباء مستقرة ومنخفضة التكلفة، خاصة مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، ومراكز البيانات، والتحول نحو الاقتصاد منخفض الانبعاثات.


وتتمتع الدول التي تملك مصادر كهرباء موثوقة، مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وكوريا الجنوبية واليابان، بميزة تنافسية واضحة في جذب الاستثمارات والصناعات الحديثة، مقارنة بالدول التي تعتمد على واردات الطاقة أو تواجه تقلبات في الإمدادات والأسعار.


ويخلص التقرير إلى أن التردد في تطوير الطاقة النووية لم يعد ينعكس على فواتير الكهرباء فقط، بل يمتد إلى القدرة الصناعية، وجاذبية الاستثمار، والمرونة الاقتصادية، وحتى السيادة الوطنية. ولذلك، فإن العودة العالمية إلى الطاقة النووية لا تعبر عن تغير في مصادر الطاقة فحسب، بل تكشف تحولًا أوسع في فهم الأمن الاقتصادي والاستراتيجي، مع تراجع تأثير المخاوف التاريخية أمام متطلبات التنمية والتنافس في الاقتصاد العالمي.

 

https://nationalinterest.org/blog/energy-world/the-global-return-to-nuclear-power-is-u-shaped